محمد جمال الدين القاسمي
214
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الأمرين ، جعلت موقوفة . وكان أحسن أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها . وأما أنه يجب ويتعين ، فكلّا . انتهى . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 66 ] وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ . قال الرازيّ : اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق . والمعنى : إنا لو شدّدنا التكليف على الناس ، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان ، لصعب ذلك عليهم ، ولما فعله إلا الأقلون . وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم . فلما لم نفعل ذلك ، رحمة منا على عبادنا ، بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة ، فليقبلوها بالإخلاص ، وليتركوا التمرد والعناد ، حتى ينالوا خير الدارين . انتهى . ونقله فيما بعد عن ابن عباس . وعليه فمرجع الضمير في ( عليهم ) إلى المنافقين . وثمة وجه آخر . وهو عوده إلى الناس كافة . ويكون المراد ب ( القليل ) المؤمنين . وأما الضمير في قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا فهو مختص بالمنافقين . ولا يبعد أن يكون أول الآية عامّا وآخرها خاصّا . قرره الرازيّ . روى ابن جريج بسنده إلى أبي إسحاق السبيعيّ قال : لما نزلت : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ . . . الآية . قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد للّه الذي عافانا . فبلغ ذلك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إن من أمتي لرجالا ، الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي » . ورواه ابن أبي حاتم نحوه . و أسند عن السديّ قال : افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود . فقال اليهوديّ : واللّه ! لقد كتب اللّه علينا القتل فقتلنا أنفسنا . فقال ثابت : واللّه ! لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا . فنزلت الآية . وأسند أيضا عن عامر بن عبد اللّه بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم . و أسند أيضا عن شريح بن عبيد قال : لما تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية ، أشار بيده إلى عبد اللّه بن رواحة فقال : لو أن اللّه كتب ذلك ، لكان هذا من أولئك القليل .